أخبارالأخبار الرئيسية

ولاية الجزيرة تكشف أسرار ظاهرة نفوق الفئران

النورس نيوز

ولاية الجزيرة تكشف أسرار ظاهرة نفوق الفئران

متابعات _ تاج السر ود الخير –  مدني _ حسمت ولاية الجزيرة الجدل الذي أُثير خلال الأشهر الماضية حول ظاهرة النفوق الجماعي للفئران في عدد من محليات الولاية، مؤكدة أن ما حدث يعود إلى عوامل بيئية وطبيعية وتداعيات الحرب، وليس نتيجة أمراض وبائية أو استخدام مواد كيميائية، في وقتٍ تستعد فيه السلطات لتكثيف حملات المكافحة بعد توقفها قسرياً بسبب الظروف الأمنية.

وأوضحت وزارة الإنتاج والموارد الاقتصادية، أن احتلال المليشيا المتمردة للعاصمة الخرطوم أدى إلى تعطيل دور الحكومة الاتحادية في مكافحة الآفات القومية، ما دفع ولاية الجزيرة لإطلاق نفرة قومية شاملة على المستويين الحكومي والشعبي لسد هذا الفراغ، خاصة في مواجهة آفات خطيرة مثل الجراد الصحراوي والطيور الضارة وآفة الفأر، حمايةً للمحاصيل وتأميناً للبيئة الزراعية، غير أن دخول المليشيا إلى ولاية الجزيرة مثّل ضربة قاسية للقطاع الزراعي، لا سيما مجال الوقاية، حيث تم استهداف المخزون الاستراتيجي للمبيدات بمنطقة “بيضاء”، ما أدى إلى توقف برامج المكافحة لمدة موسمين كاملين، وهو ما تسبب لاحقاً في انفجار عددي للآفات، وعلى رأسها الفئران.

ومع نهاية يوليو وبداية أغسطس 2025، بدأت بلاغات نفوق الفئران تتزايد في عدد من المناطق، رغم عدم تنفيذ أي حملات مكافحة، ما أثار حالة من القلق وسط المواطنين. وعلى إثر ذلك، تحركت فرق الاستجابة السريعة بمحلية جنوب الجزيرة، مكوّنة من ممثلين للوقاية والصحة، ونفذت زيارات ميدانية بتاريخ 29 يوليو 2025، تم خلالها توعية السكان بخطورة التعامل المباشر مع الفئران النافقة وضرورة التخلص منها بالدفن الصحي.

وبناءً على هذه التطورات، أصدر والي ولاية الجزيرة القرار رقم (86) ثم القرار رقم (90) في السادس من سبتمبر 2025، بتكوين لجنة علمية متخصصة لتقصي الحقائق حول الظاهرة، تلتها قرارات من وزارة الإنتاج والموارد الاقتصادية لتوسيع عضوية اللجنة وتحديد مهامها.

وترأست اللجنة وزيرة الإنتاج والموارد الاقتصادية الدكتورة عرفة محمود أحمد رضوان، وضمّت في عضويتها خبراء من جامعة الجزيرة، وهيئة البحوث الزراعية، ووزارة الصحة، والمجلس الأعلى للبيئة، والثروة الحيوانية، وإدارة وقاية النباتات، وشرعت اللجنة في عملها خلال 48 ساعة فقط، واضعة خطة واضحة للزيارات الميدانية وجمع البيانات وتحليلها.

وشملت الزيارات مناطق متعددة، من بينها أبوحراز بمحلية مدني الكبرى، ومناطق فحل الشايقية، والشريف مختار، والشبونات بمحلية جنوب الجزيرة، وأجرت اللجنة مقابلات مباشرة مع المواطنين ولجان الخدمات والعاملين في القطاعين الصحي والخدمي.

وكشفت نتائج التقصي أن الظاهرة بدأت في يوليو 2025 وانتهت في سبتمبر من العام ذاته، وأن أعداداً كبيرة من الفئران وصلت إلى جنوب الجزيرة من الجهتين الغربية والجنوبية وهي في حالة إنهاك شديد بسبب الهجرة الطويلة ونقص الغذاء، ما أدى إلى نفوقها بشكل طبيعي، كما أكدت مراجعة السجلات الصحية في المستشفيات والمراكز الصحية عدم تسجيل أي حالات مرضية مرتبطة بالفئران خلال تلك الفترة.

وأظهرت التحقيقات أيضاً أن إزالة الغطاء النباتي والقطع الجائر للأشجار والغابات- والتي طالت أكثر من 11 غابة- ساهمت في فقدان الفئران لمواطنها الطبيعية ومصادر غذائها، ما دفعها للهجرة لمسافات طويلة.

كما أكدت اللجنة، بعد فحص الصور والمشاهدات الميدانية، أن الفئران النافقة هي من الأنواع المحلية المعروفة، ولم تظهر عليها أعراض التسمم أو الأمراض الوبائية مثل التشنجات أو النزيف أو جحوظ العيون.

وأُخذت عينات من التربة والمياه من مناطق النفوق، وخضعت لتحاليل في معامل معتمدة، وجاءت نتائجها مطمئنة وخالية من أي ملوثات كيميائية أو إشعاعية.

وقال مدير عام وقاية النباتات، مقرر لجنة التقصي السر محمد الأمين، إن أسباب الظاهرة تعود إلى توقف المكافحة لعامين بسبب الحرب، ما أدى إلى انفجار عددي للفئران، ثم حدوث تنافس حاد على الغذاء، انتهى بموت الأضعف، وأكد أن الجهات الصحية لم تسجل أي حالات عدوى للإنسان.

من جانبها، أوضحت الدكتورة عرفة محمود رضوان، أن اللجنة تشكلت بسبب التخوف من احتمالات نقل أمراض للإنسان أو الحيوان، أو استخدام مواد كيميائية. وأكدت أن كل الفرضيات التي أُثيرت في وسائل الإعلام تم فحصها علمياً، وثبت عدم صحتها.

وأشارت وزارة الصحة، عبر الدكتورة أميرة بخيت يوسف، إلى أن فرق التقصي الوبائي راجعت كل السجلات الصحية ولم ترصد أي أمراض غير معتادة، كما تم تفعيل نظام “البلاغ الصفري” لرصد أي طارئ صحي.

وأكد خبراء جامعة الجزيرة وهيئة البحوث الزراعية والمجلس الولائي للبيئة، أن ما حدث يُعد ظاهرة طبيعية معروفة علمياً تُعرف بـ”الانفجار العددي”، تحدث عند توفر الظروف المناخية المناسبة ثم يتبعها تراجع طبيعي في أعداد القوارض نتيجة نقص الموارد.

وفي السياق، أعلنت الإدارة العامة لوقاية النباتات بولاية الجزيرة عن انطلاق حملة مشتركة مع ولاية القضارف لمكافحة آفة الفأر على الشريط الحدودي بين الولايتين في الفترة من 1 إلى 8 يناير 2026، استهدفت مساحة 3 آلاف هكتار، وتم التعامل فعلياً مع 1800 هكتار، مؤكدة جاهزيتها لمواصلة الرصد والمكافحة وفقاً للمسوحات الميدانية.

وبينما تطوي ولاية الجزيرة صفحة الجدل حول نفوق الفئران، تؤكد السلطات أن المعركة الحقيقية هي استعادة منظومة الوقاية الزراعية، وحماية الإنتاج، وتعزيز الاستجابة المبكرة لأي ظواهر بيئية قد تهدد الأمن الغذائي والصحي في المستقبل.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى