
حقيقة الانفلات الأمني في أم درمان
متابعات _ النورس نيوز _ تشهد مناطق غرب الحارات بمدينة أم درمان حالة من الانفلات الأمني غير المسبوق، وسط تصاعد التحذيرات من تفاقم الأوضاع وانفلاتها بالكامل في ظل غياب الأجهزة الرسمية وعدم وجود استجابة حقيقية من الجهات المعنية. سكان أحياء عديدة مثل الحارة 58 وبلوكات الثورة والحارات 24 و25 و28 تحدثوا عن حالة من الرعب اليومي بسبب انتشار عصابات مسلحة تنفذ جرائم النهب والسلب وترويع المدنيين علنًا، في وقت تعاني فيه أقسام الشرطة من التعطيل الكامل، وتغيب فيه دوريات الأمن، ما جعل العاصمة تعيش حالة أشبه بالعزلة القانونية.
في حادثة مروعة هزت سكان المنطقة، هاجمت مجموعة مسلحة تُعرف محليًا باسم “الشفشافة” حافلة ركاب يوم السبت 28 يونيو قرب كوبري عطية على شارع الامتداد، مطلقين النار بشكل عشوائي على الركاب، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى بينهم أطفال ونساء، في واحدة من أخطر الهجمات التي شهدتها أم درمان منذ بداية النزاع.
وبحسب شهود عيان، كان أفراد العصابة يرتدون زيًا عسكريًا، ما زاد من تعقيد الموقف وجعلهم يبدون في أعين الناس كما لو كانوا جزءًا من قوة نظامية. مصدر الخطر الأكبر كما وصفه الأهالي هو منطقة تُعرف بمحطة “المثلث”، والتي تحوّلت إلى معقل للجريمة المنظمة حسب تعبير سكان المنطقة، حيث تنتشر محلات الشيشة التي تُستخدم في تأجير الأسلحة وتوزيع المخدرات وبيع المسروقات، وتُدار منها العديد من جرائم النهب، مما جعلها مركزًا يُخشى المرور بجانبه ليلاً أو نهارًا. سكان الأحياء المجاورة، وعلى رأسهم المواطنة مريم حامد من حي 24،
أكدوا أن الجرائم باتت تحدث أمام المنازل، حيث يتم تهديد النساء بالسلاح وسرقة هواتفهن وخواتمهن أمام مرأى الجميع دون تدخل من أي جهة أمنية. المواطن عبد العزيز محمد أشار إلى أن ما يجري هو تحلل كامل للأمن، وأن المجرمين يتحركون بحرية تامة، حتى إنهم أصبحوا معروفين بالأسماء لكن لا أحد يجرؤ على ملاحقتهم. الأهالي طالبوا بإغلاق محلات الشيشة فورًا وشن حملات أمنية منظمة لإعادة السيطرة على المنطقة، مع ضرورة إعادة تشغيل أقسام الشرطة المغلقة وبسط دوريات ثابتة ومتحركة في الأحياء، لضمان عودة الشعور بالأمان ولو بشكل نسبي.
ورغم تفاقم الشكاوى، لم تُصدر حكومة ولاية الخرطوم حتى اللحظة أي تصريح أو خطة استجابة واضحة، ما جعل السكان يعبرون عن سخطهم من الغياب التام للسلطات، مطالبين بتدخل مركزي عاجل لإعادة فرض القانون. الخبير الأمني الرشيد الإمام أكد في تصريحات صحفية أن ما يحدث في أم درمان هو انعكاس مباشر لتعطّل الأجهزة العدلية، لافتًا إلى أن النيابات والمحاكم باتت تُركّز على الجرائم المرتبطة بالمعارك العسكرية، وتغض الطرف عن الجرائم المدنية التي أصبحت تهدد حياة الناس يوميًا.
وأشار الإمام إلى أن التجنيد العشوائي خلال فترة الحرب أسهم في إدخال مجرمين ومروّجي مخدرات ضمن صفوف المسلحين، حيث يتم استخدام النفوذ والسلاح في تنفيذ جرائم يومية مع صعوبة ملاحقة مرتكبيها، خاصة في ظل ارتدائهم زيًا نظاميًا يخلق نوعًا من التمويه الممنهج. وفي الوقت الذي يتصاعد فيه القلق الشعبي، نفّذت شرطة ولاية الخرطوم خلال الأيام الماضية حملة أمنية في منطقة “الجِقِب” العشوائية، أسفرت عن ضبط كميات ضخمة من الأسلحة والذخائر شملت 43 بندقية كلاشنكوف، وثلاثة مدافع قرنوف، ومدفع RPG،
إضافة إلى مركبتين مسروقتين وعدد من الدراجات النارية، وألقت القبض على 49 شخصًا بينهم 25 من معتادي الإجرام، وفتحت ضدهم بلاغات جنائية، في خطوة عدّها البعض متأخرة مقارنة بحجم الانفلات القائم في مناطق أخرى كـ”المثلث” التي توصف حاليًا بأنها خارجة تمامًا عن سيطرة الدولة. الأزمة التي تعصف بغرب أم درمان تكشف حجم الانهيار المؤسسي في منظومة الأمن والعدالة في العاصمة السودانية، وتؤكد أن الدولة تواجه تحديًا وجوديًا في استعادة سيطرتها على المناطق الحضرية المأهولة بالسكان، حيث تتحول الأحياء يومًا بعد يوم إلى مساحات مفتوحة أمام الجريمة والعنف والترويع.
ويجمع أغلب المتابعين أن الحل يبدأ من قرار سياسي واضح يُفضي إلى إعادة تشغيل أقسام الشرطة وتفعيل النيابات وتسليحها بالقوة القانونية اللازمة، وتسيير دوريات مدنية وعسكرية مشتركة، وتجريد العصابات من السلاح العشوائي الذي صار هوية لبعض الأفراد أكثر من كونه أداة حرب. ومع استمرار غياب الردع والرقابة، تبقى أم درمان الغربية على فوهة انفجار، في انتظار قرار يعيد الأمان إلى الشوارع والسكان إلى منازلهم دون خوف.











