رمضان .. بين عبق الذكريات ومرارة الوداع

بقلم : أسامة رقيعة
رمضان شهر المحبة، والأحاسيس الشفيفة، والقلوب العامرة بالإنسانية. له نكهة خاصة، يأتي كلحظة من الزمن تتجلى فيها الروح وتفيض القلوب بالمشاعر الدافئة، ويهدأ ضجيج الحياة، فنتنفس سكينة اللحظة، ونجد الفرصة للعودة إلى جوهرنا الإنساني العميق. في هذا الشهر المبارك، أجد نفسي أنسج من الزمن مساحات للوصال، فأغتنم الفرصة للتواصل مع الأصدقاء، وزيارة الأقارب، والاقتراب من أصحاب التجارب الملهمة، وكأنني في مجالسهم أبحث عن الإلهام، وأحاول أن أستشف من أرواحهم معاني الحياة، وأقتبس شيئًا من نورهم في رحلتي الخاصة.
بين بورتسودان وطيبة الخواض
لكلٍّ منا مع رمضان ذكريات محفورة في القلب، لا تمحوها الأيام ولا يخفت بريقها مهما امتد بنا العمر. أما أنا، فقد كانت ذكرياتي الرمضانية في بورتسودان ذات طابع خاص، فهي مدينة تشبه رمضان في كرمها ودفئها ومودتها الخالصة. تفتح أبوابها للقاطنين والزائرين، بمختلف أعراقهم وثقافاتهم، دون أن ترى فرقًا بينهم، فكلهم في حضنها سواء.
عشت هناك سنوات طويلة وأنا أؤمن بأن جيراننا هم امتداد لعائلتنا، إذ كنت أرى أبوابهم مشرعة لنا، وقلوبهم تنبض بالود. كانت أمي تتبادل معهم الأطباق الرمضانية، فأجد السفرة الرمضانية تتحول إلى لوحة زاخرة بالألوان، تمتزج فيها روائح “البلح المنقوع” و”الحلو مر”، وعبق “اللقيمات” الساخنة المغمورة بالعسل. وحين يحل وقت الإفطار، كانت الجلسات تمتد، وتعلو أصوات الحديث والأنس حتى تصل شغاف القلب، فتمنحني شعورًا عميقًا بالأمان.
والأمان في بورتسودان لم يكن استثناءً، بل كان حقًا طبيعيًا، يشبه الحق في الحياة. كنت صغيرًا حين كان والدي يرسلني وحدي إلى سوق الخضار والفواكه، أو إلى “الطاحونة”، حيث يعشق دقيق الكسرة والعصيدة. ورغم صغر سني، لم أشعر يومًا بالخوف، فقد كان الباعة من مختلف أعراق الشرق والشمال والغرب يعرفون والدي ويقدرونه، وأجد في أعينهم احترامًا عفويًا، وكرمًا أصيلًا لا تصنع فيه ولا تكلّف، وكأن كل المدينة كانت عائلة واحدة.
وحين كنا نذهب إلى قرية “طيبة الخواض” في الريف الشمالي لقضاء عطلة المدارس، وكنا نصادف رمضان هناك، كنت أشعر وكأنني في حضن التاريخ والجذور. كان “برش” الإفطار يجمع الأهل، ويتحلق الأقارب حولي كأنني ملك صغير، ينهل من نبع الحب والدفء، ويتشرب قيم الخير والتكافل. كنت أحكي لهم بفخر عن بورتسودان، عن بحرها الممتد، وعن انفتاحها الساحر، وكأنني أرد لهم الجميل، كما لو أنني كنت أحمل في داخلي رسالة المدينة لأهل القرية.
رمضان.. ذلك الذي لا يرحل
ورغم كل هذه الذكريات، فإن رمضان، مهما طال مكوثه، لا بد أن يحمل أمتعته ويرحل، ليتركنا في مواجهة الأيام القادمة بغير هذا الضوء الذي اعتدنا دفأه. ها هو رمضان، ضيفنا الكريم، يستعد للرحيل، وكأنه لم يكن سوى غمامة خفيفة عبرت سماء الروح، فأنعشتها بمطرها، ثم مضت تاركة وراءها أثرًا لا يُمحى. كان رمضان كنسمة طيبة مرت على القلب، فطهرته من أثقاله، وأضاءت فيه زوايا كانت منسية، والآن ونحن نودعه، نشعر بشيء من الحنين، بشيء من الخوف، بشيء من الفراغ الذي يوشك أن يتسلل إلينا مع رحيله.
في لياليه الأخيرة، نجلس لأنفسنا، ونتأمل كيف انقضت أيامه سريعًا، كأنها لم تكن سوى لحظات خاطفة في عمر الزمن. نتساءل: هل كنا فيه كما يجب؟ هل استثمرنا خيره وبركته كما يستحق؟ هل ارتقت أرواحنا في حضرته، أم أن شيئًا من التقصير لا يزال يثقل كواهلنا؟
رحيل رمضان ليس كأي وداع، فهو وداع لنور أضاء أرواحنا، ولأجواء من السكينة قد لا تتكرر بهذه الكثافة. في وداعه نشعر وكأن نافذة صغيرة كانت مفتوحة على السماء، على الطمأنينة المطلقة، توشك أن تُغلق، ونخشى أن نعود إلى صخب الأيام بلا هذا الضوء الذي كان يهدينا إلى أنفسنا.
لكن رمضان لا يرحل تمامًا، فهو يترك فينا شيئًا منه، ذكرى في القلب، أثرًا في الروح، عادة صالحة تعلمناها، أو لحظة صفاء عشناها، وكأن رحيله ليس إلا بداية أخرى، لاختبار ما زرعه فينا، لنعيش به من بعده، ونجعل منه نهجًا لا زمنًا، وروحًا لا مجرد شهر.
وداعًا رمضان، لكنك باقٍ في قلوبنا، ما دمنا نبحث عن نورك في كل أيامنا.